سعيد باشا الصليبي الفاعوري .. فارس من فرسان المرحلة الصعبة


يعد حضور سعيد باشا الصليبي الفاعوري، في الذاكرة الوطنية، وفي التاريخ الاجتماعي والسياسي الأردني الحديث، واضحاً وعميق الأثر، فهو من فرسان المرحلة التي تكثفت فيها الأحداث، وغلب فيها تقلب الأحوال وتغير الدول، وتنازعتها صراعات إقليمية وعالمية، أدت إلى تغيير خريطة المنطقة العربية، وتشظي الحلم العربي بالوحدة والحرية.

هذا الامر   حتم على العرب خوض غمار معارك تحرر امتدت عدة سنوات إضافية، ضد التقسيم والاستعمار الغربي، وكانت القاعدة الحقيقية لهذا النضال، الرجال الأحرار من أبناء الأمة، بفضل حسهم الوطني، وانتمائهم العميق للقضايا القومية العامة، كما لعب هؤلاء الرجال الذين خبروا مراحل بالغة الصعوبة، وتصدوا لمؤامرات متلاحقة استهدفت الأمة ومقدراتها. وتبين سجلات التاريخ مدى تفاعل رجالات الأردن في الحراك السياسي النضالي، في المنطقة برمتها، فلقد شاركوا بمؤتمرات الرفض والصمود، في عدد من المدن العربية، وخاضوا معارك حاسمة، في الثورة العربية الكبرى والثورة السورية والثورة الفلسطينية، وفي الأردن تصدوا لسياسة الانتداب البريطاني، وبيع الأراضي للوكالة اليهودية.

كان سيعد باشا الصليبي من أبرز الزعماء العشائريين في السلط، فقد لعب دوراً اجتماعياً ونضالياً وسياسياً، استمر طوال سنوات عمره، وتجاوز بتأثيره ومشاركاته حدود الوطن، وظل مخلصاً لأفكاره وقيمه وما بدل ولا غير في يوم من الأيام، وهو المولود في مركز الحراك بمدينة السلط، التي شكلت لفترة ليست قصيرة، حاضرة من أهم حواضر جنوب بلاد الشام، وكانت المدينة الأكبر والأنشط وسط الأردن، منذ القرن الثامن عشر حتى إعلان عمّان عاصمة لإمارة شرق الأردن.

 فقد ولد في عام 1878 على أبواب القرن العشرين، ولم تكن أحوال الناس تلك الأيام جيدة، وقد استشرى الظلم والتعسف والإهمال، حيث مهدت هذه الأحوال لتحريك العرب باتجاه الثورة الشاملة. نشأ الصليبي في مدينة السلط، متمتعاً برعاية والده الذي يعد من أبرز رجالات البلقاء، فقد أعده والده للمهام الكبرى، عندما أولاه تربية خاصة، لا تختلف عن أقرانه، لكنه أدخله عالم الرجال والرجولة باكراً. ولأنه كان ميسور الحال، والبلاد تعاني ما تعانيه من ندرة المداس وعدم توفر المعلمين، عمل على استقدام شيخاً معلماً، ليقوم بتعليم أبنه سيعد تعليماً خاصاً في البيت، إدراكاً منه أن التعليم هو من أهم دعائم بناء مستقبل الأمة.

بعد أن أنهى دراسة الكتّاب المنزلية، الذي ناله خلال تعليم أولي تضمن القراءة والكتابة والحساب وحفظ أجزاء من القرآن الكريم، لكنه لم يقف عند هذا الحد من التعليم، الذي كان كافياً حينها.

   رغب والده في أن يحظى سعيد بتعليم أكبر، وقد شجعه في ذلك ما تمتع به من ذكاء وفطنه وسرعة في التعلم، فالتحق بمدرسة الروم الأرثوذكس في حي الخضر بمدينة السلط، وكان دخوله للمدرسة مرحلة مهمة في بناء وعيه الوطني والقومي، فقد واصل دراسته فيها، حتى تمكن من إنهاء المرحلة الرشدية، وهي تسمية عثمانية لمرحلة تعليمية تعادل الابتدائية، حيث كان الدراسة تقسم إلى قسمين أو مرحلتين ابتدائية وثانوية، وكان من الطلبة المميزين في المدرسة، والذين لفتوا الانتباه لهم بتوقد ذكائهم، وقوة شخصيتهم، التي كشفت عن سمات الزعامة والقيادة في فترة مبكرة من العمر، وقد كون صداقات قوية مع عدد كبير من أبناء السلط في المدرسة، خاصة من أبناء السلط المسيحيين، فكان محبوباً ومقدراً من صغره.

التحق سعيد باشا الصليبي بركب الحياة العملية، بعد أن غادر المدرسة حاملاً شهادة المرحلة الرشدية، فاشترك مع أخوته في الأعمال والأنشطة التجارية، مستفيدين من الحركة النشطة في المدينة، التي كانت ذات صلات تجارية ناجحة، مع عدد من المدن كنابلس والقدس والكرك ودمشق، فكانوا أصحاب تجارة ناشطة وحضور اجتماعي فاعل، وقد نهل من مدرسة والده الكثير، حيث لمع اسمه شاباً متعلماً نسبياً قياساً بظروف تلك الفترة، ومشاركاً نشطاً في الفعاليات الاجتماعية والسياسية والعشائرية، فقد استقى من والده المعاملة الناجحة مع الناس، وكيفية حل قضاياهم ومشاكلهم، بتوخي العدل وتقديم المصلحة العامة على الخاصة. وقد تزوج بفتاة من عائلة الحمصي، وكان من ثمرة هذا الزوج أربعة أولاد: بهجت، عزت، رفعت، محمد، وابنة واحدة هي السيدة فائزة.

تمكن سعيد باشا الصليبي من بناء مكانته الاجتماعية، وتكريس حضوره الفاعل كأحد رجالات السلط الأفذاذ، فقد أنتخب رئيساً لمجلس بلدي السلط، وذلك عام 1918 خلال فترة الحكومة العربية في دمشق، وكان معه في عضوية هذا المجلس كل من: فرح أبو جابر، مصطفى الكردي، محمد الرشدان ومفلح المصطفى. وفي الدورة التالية من عام 1919 إلى عام 1920، تولى رئاسة مجلس البلدية بعضوية: فلاح الحمد، محمد صادق مهيار، صالح خليفة، عواد الكردي ومحمد رشدان. بعد خدمته في بلدية السلط كرئيس لمجلسها، لم يجد في نفسه غضاضة بالمشاركة في المجلس البلدي كعضو خلال الفترة 1925 – 1927 برئاسة نمر الحمود، وأيضاً خلال الفترة 1927 – 1928 و1929 – 1930 برئاسة عبد الله الداود.

عاد سعيد باشا الصليبي، وفاز بانتخابات رئاسة مجلس بلدي مدينة السلط عام 1947 – 1951، وعمل بمعيته في عضوية المجلس كل من: راجح المفلح، سري البسطامي، إبراهيم قطيش، عبد الله الفرح، محمد الساكت، عبد الحليم الحديدي وعبد الرحيم السالم الحياري، وكانت له لمسات واضحة في تنمية وتطوير مدينة السلط، والارتقاء بمستوى الخدمات، والعمل على توفير البنية التحتية الملائمة، التي تساعد في نمو المدينة واستيعاب أعباء توسع حددها وزيادة عدد سكانها، حيث عمل على الاهتمام بالتعليم بشكل خاص، مقدراً أهميته في خدمة مستقبل البلاد، مكان من أبرز إنجازاته في هذا المجال، خلال عمله رئيساً للبلدية، هو أن قام شخصياً بشراء لوازم بناء مدرسة السلط، من مدينة حيفا الفلسطينية حيث رافقه في هذه المهمة السيد علاء الدين طوقان، وقد ساهم جميع وجهاء السلط بجهود بناء المدرسة وتمويلها، حتى أصبحت رائدة المدارس في الأردن، وأول مدرسة ثانوية في شرق الأردن، حيث خرج الرعيل الأول وما تلاه من رجالات الأردن، في السياسة والاقتصاد والتربية، والمجالات الأخرى، كما عمل على شراء « ماتور « من مدينة بيروت، لضخ المياه من أجل تزويد أحياء المدينة بمياه الشرب بشكل بالطرق الحديثة.

تعددت الأدوار التي لعبها سيعد باشا، فكان من شيوخ البلقاء الذين تمتعوا بمكانة في مختلف مناطق البلاد، وكانت له كلمة مسموعة، ويدعى إلى كثر من المناسبات المهمة، فقد دعي للمشاركة في « الصلحة « بين قبيلتي بني صخر وبني حسن، والتي أقيمت في دمشق، وقد تحولت  الصلحة إلى مؤتمر سياسي، حيث صدر عنها بيان سياسي تضمن رفض تقسيم البلاد العربية بالإشارة إلى اتفاقية سايكس – بيكو، ورفض الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وقد طالب البيان بعودة ياسين باشا الهاشمي إلى عمله رئيساً لديوان الشورى الحربي.

 وكان الصليبي قد عمل في السابق لمدة قصيرة، مفتشاً في مالية مدينة الخليل. وفي فترة الحكومة العربية في دمشق، تم انتخابه عضواً عن السلط في مجلس الشورى في العهد الفيصلي، غير أن هذه الحكومة لم تعمر طويلاً، فقد حلت بعد احتلال الفرنسيين لدمشق، وقامت في البلقاء حكومة محلية لإدارة شؤون المنطقة، بعد الفراغ السياسي والإداري، حيث اختير عضواً في المجلس الشورى لهذه الحكومة، وهو المجلس الذي ترأسه متصرف السلط مظهر رسلان، وكان ذلك في شهر آب عام 1920.

خاض سعيد باشا الصليبي التجربة السياسية، وساهم في تأسيس هذا الحراك السياسي الوطني المبكر، حيث خاض انتخابات أول مجلس تشريعي أردني، وفاز عن مدينة السلط عام 1929، وفي مجال الأحزاب السياسية، فقد كان عضواً منتخباً في اللجنة التنفيذية لمؤتمر الشعب عام 1933، وأصبح نائباً لرئيس المكتب الدائم العام للجنة التنفيذية، وقد عرف عنه الكرم وطيب النفس والخلاق العالية والتواضع، وأولى إعمار السلط جل عنايته، ولم يركن للراحة في يوم من الأيام، حتى وفاته عام 1951، فكان بحق من فرسان المرحلة الصعبة ورجالات التأسيس الكبار.
تعليقات (فيس بوك)
0تعليقات (بلوجر)

0 التعليقات:

إرسال تعليق

( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ))